بواسطة: المحرر بتاريخ : الثلاثاء 02-02-2010 09:16 صباحا
بقلم المستشار / محمد بهي الدين غلوش
جدارُ
الجَار
http://www14.0zz0.com/2010/02/01/21/629458928.jpg
قديماً كانَ هُناكَ شقيقانِ يعيشانِ إلي
جوارِ بعضهما يمتَلِكُ كُلاً مِنهُمَا
أرْضاً و بَيتاً كبيراً مُتسِعاً يقطنهُ هو و
أسرَتهِ .. لا يتنازعَ الشقيقان في شِبرٍ و لا
هواء ، يتعاملانِ بكلِّ مودةٍ و محبةٍ و إخاء
، لا يفصلهما سوي حِزامٌ من الأشجار و الأسلاك
.. و دارت الأيامُ و تبدَّلت الأحوال .. ذَبُلت
الأشجارُ و تهالكت الأسلاكُ و الأوضاعُ
تغيَّرت ، أصبحَ أحدهما محتاجاً إلي الآخر
علي اعتبارِ أنهُ الأخ الأكبر الذي لم يتوان
يوماً في الوقوفِ إلي جوارهِ و تلبيةِ
احتياجاتهِ .. لكنَّ بَعْضَ أبناءِ الصغير لم
يكتفوا بذلكَ و لئن اكتفوا فالكبيرُ ليسَ
بتاركهم فيدُ عَونهِ مبسوطة نهارَ مساء ، و
لكنَّ العجبَ أنْ بَدأ الصِغارُ يتسللنَ
سِرَّاً من بينِ الأسلاكِ ليُشاركوا أخاهُ
قوُتَهُ و معيشتهُ .. يُقاسِموهُ أرضهُ و
ممتلكاتهُ لسنينَ عِدَّة لم يُنكِر عليهمُ
الكبيرُ أبداً ما يفعلونَ مِنْ مُشاركةٍ و
مُقاسَمةٍ و لكنْ أنكرَ عليهم تسللهم خفيةً
كالهاربين ، حتى استشعرَ بالضيقِ و الحرج
فقررَ أن يُرمِّمَ هذا الجدارَ العتيقَ الذي
يُريدُ أن ينقَضّ .. و لكنَّ الأخ الرَحيم قبلَ
أن يُفكرَ في ذلكَ فتحَ باباً كبيراً علي
مِصراعيه علي فتراتٍ مُتقطّعَةٍ حتى
يُمكِّنَ شقيقهُ مِنَ المُرورِ مِنْ خلالهِ
ليَعبُرَ و يتزودَ كيفما يشاءُ بكلِ إنسانية
و احترام ، و دُونَ أن يَعْبأ بعبثِ أبناءِ
الأخيرِ بمقدراتهِ و ممتلكاتهِ و أمنَ
أراضيهِ ، لكنَّ الشقيقَ الأكبرَ نأى بنفسهِ
و ترفعَ عن الجدال في ذاكَ العبث الذي لا أودُ
ذِكرهُ ولا الخوضُ في غمارهِ .. لكنهُ فكَّرَ
في الإعمار الذي خلقنا اللهُ من أجله حيثُ قال
تعالي وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا و تلكَ هي
سنة الله في خلقه كما فعلَ و أقامَ الخضر عليه
السلام جدارَ يتيمي المدينة .. فكرَ في وضعِ
حدودٍ لأرضهِ و ممتلكاتهِ صيانةً لأمنهِ و
تأميناً لحدودهِ دونَ أن يَحرمْ شقيقهُ و
أبناءَهُ شيئاً من خيرهِ و ثرواته .. تلكَ
الحدود التي ينبغي أنْ تكونَ متواجِدَةً
أصلاً قبلَ أيَّ شيءٍ حتى العُمرَان .. ألا تري
أنَّ أحَدَنا إذا ما امتلكَ قطعةً من أراضي
البناءِ قامَ أولاً بتحديدها و تعيينِ حدودها
و أحاطتها بالأسوار الطوبية قبلَ الشروعِ في
أيٍّ من الأعمالِ فيها حتى و إن كانَ وَلدَهُ
هو مَن يُجاورهُ .. و لكن لا أدري لما اختلفَ
الأمرُ هنا هكذا حتى قامت الدنيا و لم تقعد و
قالت يا للعار.. من رجالِ دينٍ و فكرٍ فضلاً عن
رجالِ سياسة ينددونَ بمنعِ إنشاء هذا الجدار
واصفينَ إياهُ بالعار و لم يفكروا في حقِّ
صاحبِ الشأنِ في فرضِ سيطَرَتِهِ علي أرضهِ و
لهُ مُطلق الحق في ذلك و لا يُعَدُّ ذلكَ
تناقضاً أو منافياً لروحِ التعاونِ بينَ
الشقيقينِ أو تقصيراً من الأخِ الأكبر نحوَ
أخيهِ الذي يرعاهُ دوماً في كثيرٍ من شئونهِ
بل أنهُ ظلَّ ملتزماً أمامَ الجميع برعايةِ
شئونهِ داخلياً و خارجياً حتى و إنْ تكلـَّفَ
ذلكَ ما تكلـَّف و التاريخُ يُثبِتُ ذَلك و
يَشهَدُ .. أقولُ لكَم و بكلِ احْتِرَامٍ ..
إنَّهُ ليسَ عَاراً و إنما هو ... جدارُ الجَار
... !!!
بقلم المستشار / محمد بهي الدين غلوش